رد مجلس الأعيان على خطاب العرش في الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة السابع عشر
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

محمد النبي العربي الهاشمي الأمين

وعلى آله وصحبه أجمعين

 

صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم

أيّده الله بنصره وأدام ملكه

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

يتشرف مجلس الأعيان أن يرفع إلى جلالتكم رده على خطبة العرش التي افتتحتم بها أعمال الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة السابع عشر. ففي هذهالظروف المدلهمة والمواقف الملتهبة والأوضاع المضطربة يأتي صوتكم الحق يرشد إلى النهج الأمين، فَيَشُدَّ العزائملمزيد من الإنجاز وتجاوز جميع الصعاب.

سيدي صاحب الجلالة،،،

جاء خطابكم السامي بياناً صادقاً لدور الأردن في قضايا المنطقة والعالم، ودور الأردنيين، كل الأردنيين، في بناء هذا الوطن الأحلى بقيادة شريفة أصيلة. أوضحتم – يا سيدي – ما بذل الأردنيون وما زالوا يبذلون في سبيل قضايا الأمة وما تحملوه من عنت مترتباتها. كان من كريم شمائلكم الهاشمية أن بدأتم خطابكم بتحية الفخر والاعتزاز بهم، وهم يعدونكم أن يبقوا على العهد أمناء على الوطن بقيادتكم، صامدين في وجه التحديات، مستمرين في العطاء وحماية الأمن، متحملين الصعاب حتى تخرج الأمة من النفق المظلم.

 

سيدي صاحب الجلالة،،،

ويتجلى إيمانكم بشعبكم بأبهى صوره، وأنتم تدعونه في كل حين للمشاركة في صياغة الحاضر وبناء المستقبل. منذ متى يطرح ولاة الأمر أفكارهم ورؤاهم للنقاش؟. قائد عظيم يستنهض الهمم والعزائم لبناء أردن ديموقراطي ناهض. أردن ينطلق من مبادئ العدل وحكم القانون والحرية المسؤولة والمواطنة الفاعلة والتوازن بين الحقوق والواجبات. أردن يطلق طاقات الإبداع الخلّاقة لصياغة نموذج تعكس فيه المجالس النيابية والمحلية آمال الناس ومطالبهم وفق برامج موضوعية، وتنبثق عنها حكومات برلمانية تمثل رأي الشعب وتطلعاته وتسعى لخدمته بجدية وأمانة.

 

 

سيدي صاحب الجلالة،،،

لقد بدأتم مسيرة الإصلاح قبل ما عُرف بالربيع العربي، بإرادة أردنية هاشمية حقة، واستمررتم بالنهج الإصلاحي رغم التقلبات التي يشهدها الوطن العربي. واليوم تعلنون بصراحة القائد الواثق بشعبه أنّ الأردن لن يسمح أن تكون الصعوبات والاضطرابات الإقليمية حجة أو ذريعة للتردد في مواصلة مسيرته الإصلاحية الشاملة.

لقد أكدّتم – يا مولاي – أنّ الإصلاح حزمة واحدة، لا يكتمل جزء منها إلا بالتكامل مع الأجزاء الأخرى. إصلاح شامل في السياسة والاقتصاد والاجتماع والإدارة والفكر والثقافة. إصلاح تشارك فيه جميع القوى والفعاليات الوطنية، للمواطن فيه دور رئيسي لأنّ الهدف هو ضمان حياة حرة كريمة ومستقبل مشرق لكل أردني. إننا نعرف أنّ الطريق طويل، ولكننا موقنون أننا بقيادتكم قادرون على اختزال الزمن بخطى واضحة الهدف، مدروسة متدرجة تراكمية. خطى متأنية بهدف الانضاج والاستيعاب لا التباطؤ والتأجيل، ترقبنا عينكم الواثقة الفاحصة في كل مجال. ويعدكم مجلس الأعيان، أن يبقى مسانداً بدأب لجهودكم، فاعلاً لتحقيق رؤاكم، امتثالاً بالقول:"إن لله أقواماً إذا أرادوا أراد".

 

 

سيدي صاحب الجلالة،،،

نؤمن معكم بأولوية الإصلاح الإداري، فالإدارة هي الرافعة الحقيقية لإرادة البناء والتغيير، وتعزز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. وسيكون التركيز على قانوني اللامركزية والبلديات تطويراً للإدارة المحلية وتوسيعاً لدورها وتقريباً لسلطة القرار من المواطن وتشجيعه على المشاركة .

والديموقراطية لا يشتد عودها إلا بالتعددية وهي تعبر عن ذاتها بالحزبية السياسية، التي تقوم على البرامج الواقعية الواضحة التي تستجيب لحاجات المواطن منطلقة من أهداف الوطن وقدراته وظروفه. وأن يترجم ذلك بوضوح في قانون الأحزاب.

والديموقراطية تقوم على الانتخاب الذي يجسد حقيقة آراء المواطنين. إننا مع جلالتكم بضرورة وضع قانون انتخاب جديد بعد إقرار قانوني اللامركزية والبلديات حتى تتضح الحدود بين الواجبات الوطنية للنائب والواجبات الخدمية للمنطقة التي يمثلها. إنّ الأنظمة الانتخابية في العالم عديدة لا يمكن وصف أحدها بأنه مثالي لكل زمان ومكان، ولذا فإنّ علينا الوصول إلى وفاق وطني حول قانون انتخاب يتأسس على القواعد الديموقراطية المستقرة وينطلق من واقع الوطن وظروفه وواقع الحركة الحزبية فيه.

لقد أوليتم جلالتكم ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية ومحاربة الفساد أولوية قصوى في مسيرة الإصلاح. وقد أنجز الأردن بقيادتكم خطوات هامة على هذا الطريق. ونحن في مجلس الأعيان سنكون السند القوي الداعم للمؤسسات المسؤولة عن هذا الجانب.

سيدي صاحب الجلالة،،،

إنّ الانجازات الوطنية نموذج متميز، رعيتموها خدمة للمواطن وتوزيعاً عادلاً لمكاسب التنمية على جميع المواطنين والمناطق، وأبرزتم مشروعات كبرى تحققت وأخرى على الطريق. إنّ الإدارة الحكيمة هي التي تستطيع تلمس حاجات الجميع وتلبية الحدود القصوى منها، وتوسيع مجالات الاستثمار وتسهيلها توفيراً لفرص العمل للشباب، عدّة الوطن وصنّاع المستقبل. إنّ صندوق تنمية المحافظات فكرة رائدة تستدعي تصميم مشاريعه التنموية والانتاجية بدقة ومشاركة المستفيدين وسرعة التنفيذ، لتوفير الحياة الكريمة للمواطن ومواجهة آفَتَي البطالة والفقر. إنّ معايير المعونة الوطنية بحاجة إلى مراجعة دقيقة تضمن وصولها إلى أوسع شريحة تحتاجها. نعدكم يا سيدي أن ننجز بالتعاون مع زملائنا في مجلس النواب القوانين الاقتصادية وفق أفضل المعايير، وبخاصة قانون ضريبة الدخل الذي نؤمن أنه أكثر القوانين عدالة وتعبيراً عن الالتزام الوطني فهو ضريبة مواطنة تعين على تحسين مركزنا الإقليمي والدولي بالتصدي لعجز الموازنة والدين العام. وفي هذا السياق فإننا نقدر لجلالتكم حرصكم على حل مشكلة الطاقة، والتركيز على الطاقة المتجددة، لما لهذا التحدي من أثر واضح على الاقتصاد الوطني.

إننا نعي ونقدر حرص جلالتكم الدائم على التميز في كل المجالات، وقد حققنا تميزاً جلياً في التعليم والصحة حرّي بنا الحفاظ عليهما وتطويرهما، فقد قدما خدمات جلى للمواطن وكانا رافدين اقتصاديين كبيرين. وسبقنا بالتميز كذلك في إدارتنا العامة وبناء قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية. والتميز ينبع في الأساس من عنايتنا بإنساننا الأردني، ثروتنا الأساسية، والذي استطعنا بجهده وفكره وابداعاته تعويض النقص في مواردنا الطبيعية.

 

سيدي صاحب الجلالة،،،

لقد كان الأردن على الدوام، بقيادته الهاشمية، إلى جانب أشقائه العرب في كل الظروف والمواقع، ساعياً إلى بناء نظام عربي شامل مشترك، وأن تكون قضايانا بأيدينا لا بأيدي غيرنا. لقد وعت القيادة الهاشمية الواقع والتغيرات فأثبت النموذج الأردني في الحكم نجاعته وبخاصة ونحن نرى انكفاءات أنظمة عربية دخلت في صراعات وشرذمة وتجزئه مهددة، ونرى كذلك ما يتكبده المواطن العربي من ويلات ودمار وما يدفعه من دماء وهدر كرامات بسبب الفرقة وغياب الفكر المستنير.

 

سيدي صاحب الجلالة،،،

لقد شكّل غياب الديموقراطية في العديد من دولنا، وهدر الحقوق والحريات، وغياب العدالة وسوء توزيع الدخل والثروة والتهميش والإقصاء التربة الخصبة التي استغلها أصحاب الفكر التكفيري، دعاة العنف والإرهاب، فجندوا بعض الذين ضللوهم بشعارات تستغل الدين وهي تخالف أصوله. إننا نشهد ما صنعه هذا الفكر الظلامي من إساءة لديننا الحنيف، وشعبنا العربي والإسلامي. صار الإرهاب عدواً لديننا الحنيف وعدواً لكل مسلم ولكل عربي يحترم ذاته. يتعرض الإسلام لأكبر خطر شهده منذ عدّة قرون. ويزيد حجم الخطر كونه يأتي من نفس الرحم وليس من خارجه. إنها حرب أهلية داخل الإسلام، بعد أن فتحت تلك التنظيمات المتطرفة النار على الإسلام واتباعه، وعكست صورة مشوهة ومضللة عن الدين الحنيف الذي أرسى قواعد الحرية والسلام والاعتدال والوسطية وقبول الآخر. إننا جميعاً في عين العاصفة، وعلينا التصدي لهذا الإرهاب المقنع بالدين بكل الوسائل الفكرية والتوجيهية والأمنية والعسكرية دون هوادة. أنه تهديد سافر للأمن الوطني الأردني ويجب إيقافه خارج حدودنا. لقد قدمتم جلالتكم جهداً استشرافياً مبكراً تمثل في رسالة عمّان لتصحيح الصورة عن الإسلام الحنيف. ومن أولى من جلالتكم، بحكم نسبكم وموقعكم وكون الفكر الهاشمي فوق التسنن والتشيع والطائفية من التصدي لهذه الهجمة الشرسة على الإسلام. إنّ جهدنا بحاجة إلى أن يرفده جهد عربي إسلامي فالتهديد لنا جميعاً، والمعركة معركة الدفاع عن وجودنا جميعاً، وستكون آثار التردد والتواكل وخيمة على الأمة كلها.

 

سيدي صاحب الجلالة،،،

والتطرف يقوى بتطرف الآخرين، فالمواقف المتطرفة كالأواني المستطرقة يغذي بعضها بعضاً. إنّ الممارسات الإسرائيلية العدوانية في أرض فلسطين وبخاصة في القدس، واستهداف المسجد الأقصى والصخرة المشرفة بإصرار وتماد من قبل المتطرفين والمستوطنين الإسرائيليين بدعم من حكومتهم اليمينية، والقرارات الحمقاء التي تتخذها ..... تغذي جميعاً المتطرفين بإسم الإسلام وتشحنهم بمؤونة لإشعال العواطف، ولما كانت الأماكن المقدسة في القدس، الإسلامية منها والمسيحية، خطاً أحمر لجميع العرب والمسلمين فإنّ هذا السلوك الإسرائيلي العنصري المقيت يمنح فرصة سانحة للتطرف.

ندرك يا سيدي الجهود الجبارة التي بذلها الأردنيون وعلى رأسهم ملوك بني هاشم في سبيل القضية الفلسطينية باعتبارها قضية وطنية أردنية أولى. وندرك جهودكم الدائبة التي لا تبارى في شرح هذه القضية في كل المحافل الإقليمية والدولية، إننا نقدر بدرجة فائقة ما تبذلونه دفاعاً عن القدس ومقدساتها، وما موقفكم الصريح الواضح في الأزمة الأخيرة إلا مثال واحد لكل ذي ضمير يعرف الحق ويصدع به. إنّ الدفاع عن الأماكن المقدسة مسؤولية الأمة العربية والإسلامية وليست وقفاً على الأردن وحده. لقد آن الأوان لإنهاء هذا الوضع الخطير الذي لا يشكل تهديداً لنا فحسب وإنما تهديد لأمتنا وللعالم أجمع. آن للجهود أن تتضافر لتحرك دولي وعربي وإسلامي لوضع العالم أمام مسؤولياته لقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. إنّ عدوان إسرائيل على أهلنا في غزة هاشم وما تكبدوه من دمار شامل متعمد وألوف الشهداء والجرحى والحرمان من حق الحياة بكرامة ليس إلا تذكرة بضرورة الحل العادل للقضية الفلسطينية، وأنّ غياب هذا الحل أو تأخره سيفضي إلى مزيد من الحروب والدمار وتغذية للتطرف والفكر التكفيري.

 

سيدي صاحب الجلالة،،،

يقدر مجلس الأعيان عالياً حكمتكم ورجاحة فكركم وإدارتكم الفعالة للأزمات المتتالية التي مرت بها المنطقة، والتي لم تستطع أن تنال من الأردن أو دوره أو أمنه حتى غدا مثلاً في الاستقرار وواحة يلجأ إليها من هجر وطنه. لقد تحملنا أعباء فوق طاقتنا وقدراتنا في استقبال الأشقاء السوريين الذين فاءوا إلينا بفعل الأحداث الدامية في سوريا الشقيقة. ما زال العالم والأشقاء والأصدقاء لا يقدرون حجم تضحياتنا والتكاليف الباهظة التي نتكبدها على مخمصة، إنّ دور الأردن في المنطقة وحماية أمنها والحملة على الإرهاب والتطرف تستحق الوقوف إلى جانب هذا الوطن بجدية لأنّ فيها خدمة للأمة والإقليم فنحن ركن أساسي متقدم في الدفاع عن الوطن العربي. إننا نقدر جهود جلالتكم في المحافل الدولية دعماً لحل سياسي لما يجري في سوريا، بحيث تتعاون جميع القوى والفعاليات في اختيار نظام حكم ترتضيه ويحمي الوطن من الصراعات ويحفظ وحدته الوطنية والترابية.

 

سيدي صاحب الجلالة،،،

إنّ ثقتنا بقيادتكم الحكيمة لجيشنا العربي المصطفوي، وهو منارة الشرف والبذل والشجاعة، ومثال على حسن التنظيم والفاعلية والإنجاز، تجعل منه كما كان على الدوام المحافظ بأمانة على كرامة الأردن ومنعته وصموده في مجابهة كل أشكال الإرهاب ومحاولات الاختراق ..... سداً منيعاً ترفده أجهزتنا الأمنية الكفؤة والمقتدرة. إننا معكم بأنّ الدور الجديد المتوخى لوزارة الدفاع سيعزز قدرات جيشنا، ويساعده على التفرغ لمهامه الأساسية.

ونحن معكم يا صاحب الجلالة بأنّ شعار الجيش العربي يفصح عن  مضامينه القومية التي تستدعي الدفاع عن أي أرض عربية. فالأردن وجيشه ومنذ تأسيسهما، استندا إلى الفكر الوحدوي العربي المطالب بالحرية والساعي إلى الحياة الأفضل.

 

وجيشنا العربي كان دوماً منذوراً لخدمة أمته العربية، لبّى نداء أشقاء عديدين في مهمات قتالية. كان أهمها في فلسطين وعلى روابي القدس وأسوارها، وقدم في ذلك كله العديد من الشهداء. وساهم الجيش في مهمات تنظيمية وتدريبية واستشارية، لعدد من الجيوش العربية الشقيقة، وأقام المستشفيات الميدانية في العديد من الدول العربية والصديقة. أما مشاركات الجيش في عمليات حفظ السلام في العالم فهي رسالة أردنية بأننا نحن الأردنيين كما ننشد السلام والاستقرار لأنفسنا فإننا نريده لكل شعوب العالم.

نعم إنّ قناعة الأردن بأنّ أمنه الوطني جزء من منظومة الأمن العربي ترجمها بالأفعال وجيشه على استعداد دوماً للدفاع عن أي جزء من الأراضي العربية.

وسيبقى الأردنيون معكم في توفير كل الدعم لقواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية لتبقى على عهدها الحارس الأمين على رسالتها في حماية أمن الوطن والمواطن.

 

 

 

 

 

سيدي صاحب الجلالة،،،

لقد وافق عملكم أقوالكم، فبنيتم وأنجزتم وحميتم، ورسمتم الطريق لمستقبل زاهر. تدعون دوماً للعمل والإبداع فيه، وتطلبون مشاركة كل الشعب في تحديد المسار ودعم المسيرة. شعبكم معكم أمين على فكركم وتوجيهاتكم لا تهزه العواصف ولا تفت في عضده القواصف. أسرة واحدة متحابة على الخير والمصلحة العامة. ونحن في مجلس الأعيان جنودكم الذين لا يخذلونكم حين روع ولا يتلكؤون حين نخوة، أمناء على دورهم البرلماني مع زملائهم في مجلس النواب.

حفظكم الله قائداً رائداً، وذخراً سنداً، فسيروا ونحن معكم وبكم ماضون.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

© 2017 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة