رد مجلس الأعيان على خطاب العرش في الدورة العادية لمجلس الأمة السابع عشر
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

محمد النبي العربي الهاشمي الأمين

وعلى آله وصحبه اجمعين

 

صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم

أدام الله ملكه وأيّده بنصره

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،،،

فإنّ مجلسَ الأعيان، يَشْرُفُ اليوم بالوقوف بين يدي جلالتكم، في رغدان العامر، قلعة الشرعية ومبتدأ التأسيس ليرفع الى مقامكم السامي صادق الشكر وعميق الامتنان، لتفضلكم بافتتاح الدورة العادية الأولى لمجلس الأمة السابع عشر، وإلقاء خطبة العرش السامي، التي جاءت عميقة، جامعة، واضحة المعالم والرؤى؛ فشكلت لبنة جديدة وصلبة في بناء الأنموذج الديمقراطي الأردني.  

 

صاحب الجلالة الهاشميّة،،،

لقد وضعت خطبة العرش السّاميمجلس الأمة، أمام مسؤولياته التاريخية في العمل الجاد من أجل البناء على الإنجازات وتحديد متطلبات التقدم وبخاصة في مجال الإصلاح السياسي الذي يعتبر عملية دينامية مستمرة تقوم على التراكمات الكمية والتحولات النوعية. لقد أنجزنا، بقيادتكم الحكيمة، تعديلات دستورية جوهرية، عززت منظومة الحريات ورسخت الفصل بين السلطات، وأنشأت المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للانتخابات الى جانب انجازات عديدة أخرى.

 

وفي هذا السّياق، يرى مجلس الأعيان أن قانوني، الانتخاب والأحزاب، يشكلان معاً، أهم متطلبات بناء الدولة الديمقراطية الحديثة، لتعزيز الركن النيابي من نظامنا السياسي ولذلك لا بد من تطويرهما من أجل تحقيق الهدف الديموقراطي الرئيسي، وهو التوصل الى حكومات برلمانية برامجية، تتشكل من الأكثرية النيابية، بينما تمثّل الأقليةُ، المعارضةَ الوطنية للبرامج الحكومية المختلَف عليها، ويتشكل الفريقان من كتل وأحزاب برامجية. فيتم تبعاً لذلك تداول الحكومات بين مكوّنات مجلس النواب.

 

إنّ مجلس الأعيان يشارك جلالتكم الرأي والعمل على التطوير التدريجي لدور الملكية ومسؤولياتها الدستورية.  فالملكية كانت دائماً، وستبقى، الضامن لمبادىء الأردن وقيمه في التعددية والديمقراطية وحماية التوازن بين السلطات، وهي التي أعطت الأردن ميزته الاستراتيجية في وحدة النسيج الوطني وحماية الأمن والاستقرار، وضمان النماء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

 

 صاحب الجلالة،،،

وأكدت خطبة العرش على أن مجلس الأمة هو حاضنة الديمقراطية والحوار الوطني؛ فبه، ومن خلاله، تترسخ أسس الممارسة الديمقراطية التي تتطلب، أولا، الأداء المتميز واعتماد التعددية والقبول برأي الأغلبية واحترام الرأي الآخر. وسيعمل مجلس الأمة، بجناحيه معاً بفاعلية وتوافق انسجاماً مع هذا التوجه.

 

صاحب الجلالة،،،

 وبكل دقةٍ ووضوح، حددت خطبة العرش، واحدةً من المشكلات الكبرى التي نواجهها، وهي حاجة الجهاز الحكومي  لتطوير  أدائه، ليكون على أعلى درجات الاحتراف والمهنية والكفاءة. ويتطلب ذلك جهداً كبيراً من الحكومات لتدريب القيادات، واعتماد ثقافة التميز، وتطوير أساليب تقديم الخدمة واجراءاتها، والتزام المعايير الواضحة لجودتها، وترسيخ مفاهيم الشفافية في الإجراءات، وجعل المصلحة الوطنية فوق المصالح الفردية خاصة في مجال اختيار القيادات الإدارية. وحتى يستكمل التطوير الاداري لا بد من تطوير الادارة المحلية وانجاز قانون اللامركزية وقانون البلديات.

 صاحب الجلالة،،،

 كان استقلال القضاء بوصفه ركناً رئيسياً في بناء منظومة المواطنة وإشاعة العدالة في طليعة توجيهاتكم السامية الى الحكومات المتعاقبة. ان الدولة المدنية هي التي تطبق القانون بحزم  وعدالة على الجميع دون تمييز، وهي التي تتيح في الوقت ذاته، الحق لكل مواطن للتظلم بيسر أمام قضاء عادل ونزيه. ولقد أُنجز الكثير على طريق الارتقاء بالقضاء الى أعلى درجات المهنية والنزاهة، وما يزال هناك جهد مطلوب في هذا المجال، من خلال البرامج التدريبية المكثفة والتحسين العملي على إجراءات التقاضي وأسلوب تنظيم المعلومات وأرشفتها، لتكون في متناول يد القاضي عند الحاجة.

        لكن الخطوة الأهم، في هذه المرحلة  تتمثل في تطوير التشريعات للالتزام بالتعديلات الدستورية في مجال القضاء.

 

 صاحب الجلالة،،،

        إنّ مبادرة جلالتكم القيمة بتشكيل اللجنة الملكية لتعزيز النزاهة، كانت ضرورية لبناء جهد وطني جماعي لمكافحة الفساد وتجذير منظومة النزاهة. وحتى يكون نتاج عمل هذه اللجنة، توافقياً، تشارك في صنعه أطياف المجتمع الأردني، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فقد وجهتم، جلالتكم، اللجنةَ لعقد حوارات وطنية مع جميع مكونات المجتمع الأردني، وفي كل محافظاته.

لقد اطلع مجلس الأعيان على محاور  منظومة النزاهة الوطنية، وهو إذ يقدر ايجابياتها فإنه يتطلع الى مناقشتها في المؤتمر الوطني تمهيداً لإقرارها وسيعتمدها المجلس حينئذ في ممارسة دوره التشريعي والرقابي.

 

صاحب الجلالة،،،

        لقد خطا الأردن، بقيادتكم الحكيمة، خطوات واسعة في طريق تعزيز الحريات العامة وحق المواطن في التعبير عن رأيه واحترام الرأي الآخر ضمن احكام القانون. ويُقدّرُ المجلس عالياً تأكيد خطبة العرش، بشكل واضح، على أهمية المواطنة كعنصر أساسي  في بناء الدولة الحديثة، يكفل العدالة والمساواة والمشاركة، ويعزز الانتماء الوطني، وفي هذا المجال فإنّ مجلس الأعيان يعبر عن قناعته بتكامل أدوار السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والقضاء العادل والإعلام الحر المسؤول، وبهذا التكامل في الجهد الوطني المشترك، تتعزز الحريات والحقوق، ويرتقي الأداء الى مستوى يلبي طموحات جلالتكم وأماني شعبكم الوفي.

وللإعلام، في هذا المجال، دور في غاية الأهمية، حتى يكون منبراً للحوار الوطني الهادف، ملتزماً بالمهنية والحيادية ومعتمداً على المعلومة الموثقة، والفكرة العميقة، بما  يثري التعددية الفكرية والسياسية، ويبتعد عن الإثارة والتهويل وجلد الذات والتقليل من الانجازات. ولكي يتمكن الإعلام من أداء هذا الدور بأكمله، فعلى القوانين الناظمة المعنية تعزيز الحريات الاعلامية، وإتاحة حق الاطلاع على المعلومات، ضمن أحكام الدستور.  

 

صاحب الجلالة،،،

        لقد وضعت خطبة العرش في مجال الاصلاح الاقتصادي، الخطوط العريضة لخطة تنمية اقتصادية استراتيجية متكاملة، وحددت أدوار المؤسسات المختلفة في هذا المجال. وطالبت الحكومة ومجلس الأمة، بالارتقاء بأدائهما، والعمل المشترك، والحوار الدائم البنّاء لتحقيق أهداف هذه الخطة التي ترمي، في المحصلة، الى رفع مستوى معيشة المواطنين وتحسين نوعية حياتهم. وأكدتم جلالتكم بأن تحقيق هذا الهدف يجب ان يرتبط بنموذج اقتصادي اجتماعي يراعي التوازن بين مختلف فئات المجتمع ويحمي المستهلك ويحافظ على حقوقه ويوسع الطبقة الوسطى ويوصل الدعم الى مستحقيه.    

ويرى مجلس الأعيان أن الجهود المبذولة في هذا المجال، بحاجة الى تعاون جميع المؤسسات الرسمية والخاصة ومؤسسات المجتمع المدني، للعمل على وضع خطة عمل متكاملة لترجمة المرتكزات التي وردت في خطبة العرش الى برنامج تنفيذي يحدد مسؤولية كل جهة والوقت المطلوب للتنفيذ، وفق معايير محددة للإنجاز. وسيعمل مجلس الأعيان، بكل جهدٍ صادقٍ، ليكون عنصراً فاعلاً  أميناً  في هذا الجهد الوطني.

صاحب الجلالة،،،

        وأكدت خطبة العرش على أهمية التوازن بين مفهوم إزالة التشوّهات في المالية العامة من ناحية،  وتحفيز الاستثمار وزيادة تنافسية الاقتصاد الوطني من ناحية أخرى. ويؤكد مجلس الأعيان على أنّ هذه السياسة  الحكيمة هي السبيل الأمثل لخروج الأردن من الازمة المالية العامة التي يواجهها وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام، ليتمكن بلدنا، بإذن الله، من الاعتماد على الذات في تمويل موازنته الجارية والرأسمالية.

 

صاحب الجلالة،،،

        لقد أكدتم يا سيدي على ان الاصلاح عملية نهضوية تشمل سائر مناحي الحياة السياسة والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والتعليمية. وقد انجز الاردن بقيادتكم خطوات هامة على طريق الاصلاح التربوي الذي يشكل ركناً اساسياً في بناء الانسان الاردني وتكوينه العلمي والثقافي. ومجلس الأعيان يُشدّد على ضرورة استمرار مسيرة الاصلاح التربوي ، لتلبي مخرجات العملية التربوية احتياجات سوق العمل المتغيرة باستمرار. ووضعتم، جلالتكم، في جميع مجالات الإصلاح، مبادئ وقواعد واضحة ومحددة، يؤكد مجلس الأعيان على أهمية الالتزام بها. وفي مقدمتها: 

 

 

-         اللامركزية، لتوسيع المشاركة الشعبية في صنع القرارات الخاصة بكل محافظة.

-         تواصل المسؤولين مع المواطنين في أماكن حياتهم وعملهم.

-         العلاقة التشاركية بين القطاعين العام والخاص.

-          استقطاب مؤسسات المجتمع المدني للمساهمة الفعالة في صنع القرار.

-         تفعيل دور الإعلام كمنبر للحوار الوطني ونشر المعلومات.

-         تعزيز آليات تطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي.

-         رفع أداء مؤسسات العمل العام والخاص.

-         تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة.

-         توزيع مكاسب التنمية واعبائها بعدالة.

-         وتنفيذ خطة تنمية المحافظات.  

إنّ كل هذه الركائز بالغة الأهمية، ينبغي أن تكون منارةً للجميع. ويعاهدكم مجلس الأعيان أن يعمل، دائما، ضمن هذه الركائز، وبروحها، وعلى هديها.

 

 صاحب الجلالة،،،

        إنّ الأردن قويٌ بقيادته الحكيمة، ويفخر ويعتزّ بإرادة شعبه  الواعي الذي يتحمل الشدائد في سبيل المصالح العليا للوطن، ويقف خلف قيادتكم، بإيمانٍ راسخ وقناعة أكيدة وصولاً الى تحقيق ازدهار الأردن ومنعته وأمنه واستقراره.

كما أنّ شعبنا الوفيّ كُلَّهُ يعتز بمؤسسته العسكرية والأمنية، التي تقف حارساً أميناً على مصالح الوطن، تضحي بالغالي والنفيس في سبيل أمنه وتمكينه من الدفاع عن مصالحه العليا وصون حقوقه، ليظلّ هذا الحمى العربيُّ الهاشميّ قادراً على دعم أشقائه العرب في جميع قضاياهم، مُنطلقاً من موقفه القومي العربي التاريخي الذي ورثه عن  الثورة العربية الكبرى ومبادئها في الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة والمساواة.

        وعلى هذه الخلفية، انْبَنَتْ رؤية الأردن للأزمة السورية، منذ بدايتها، فالتزم بلدنا بموقف قومي وانساني، وأيّد الحل السياسي الشامل للقضية السورية  الذي يضمن وقف نزيف الدم والمعاناة التي يعيشها  الشعب السوري الشقيق، منذ العام 2011، والحفاظ على وحدة أرضه وشعبه، وتمكينه من المصالحة الوطنية واستعادة الأمن والاستقرار والشروع في إعادة الإعمار. لقد عانى  الأردن، وما يزال من هذه الازمة وبخاصة من  جرّاء قيامه بدوره القومي والإنساني في احتضان الأشقاء السوريين، وتراجع العديد من مصالحه. ويطالب مجلس الأعيان، العالم أجمع، بمساعدة الأردن على تحمل الأعباء الناجمة عن  تأثره بالأزمة السورية، لا سيما توفيرُ العون لاستضافة مئات الألوف من الأخوة السوريين على أراضيه. إنّ مجلسَ الأعيان وشعبَكم الأردنيَّ بأكمله يقف صفا واحداً معكم في كل الإجراءات التي تهدف الى حماية الأردن ومصالحه إذا لم يرق الدعم الدولي لنا الى المستوى المطلوب.

 صاحب الجلالة،،،

إنَّ قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، التي تحقق تطلعات  الشعب الفلسطيني الشقيق، حق فلسطيني، وهو في الوقت ذاته مصلحة أردنية استراتيجية. فقضية فلسطين هي قضية العرب الأولى، وحلها يجب أن يكون في إطار قرارات الشرعية الدولية. ومن هنا، يقدر مجلس الأعيان، دوركم الايجابي والهام في تحريك عملية السلام بمجملها، والحفاظ على المصالح الأردنية العليا في قضايا الوضع النهائي، بما  يطمئن الشعبين، الأردني والفلسطيني، على كيانيهما وهويتيهما ومستقبلهما ويحصن جبهتنا الداخلية.  

 

صاحب الجلالة،،،

يرفع مجلس الأعيان لمقام جلالتكم، عظيم شكره وامتنانه لرعايتكم السامية للمقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس الشريف والدفاع عنها؛ فوصايتكم على هذه المقدسات إرث تاريخي حافظتم عليه في كل الأزمنة والظروف، ودعمكم المستمر للأوقاف في القدس وفلسطين، ودوركم الكبير في المحافظة على المقدسات في هذه الأرض الطاهرة، مثال يحتذى في الوفاء للعهد واحترام الأديان السماوية والالتزام بأحكام الاسلام الحنيف.  ويشيد مجلس الأعيان، مرة أخرى، بجهود جلالتكم في هذا المجال، ويدعو الله أن يعينكم على تحمل أمانة هذه المسؤولية التاريخية العظيمة.

 

صاحب الجلالة،،،

إنّ مجلس الأعيان يعرب عن تقديره العميق لقيادتكم الحكيمة في ادارة انعكاسات الربيع العربي والأزمة الإقتصادية الدولية على بلدنا. ونظرتكم الثاقبة وجهودكم الدؤوبة في بلورة وبناء انموذج ديمقراطي نابع من إرث الأردن الحضاري والإنساني والثقافي والإجتماعي، وملتزم بمبادىء الحرية والعدالة والمواطنة والوحدة الوطنية والمساواة. ونحن في مجلس الأعيان نعاهدكم على القيام بدورنا حق القيام في التشريع والرقابة والمساءلة، بما يخدم مصالح الوطن العليا، وصولاً الى حياةٍ حرةٍ كريمةٍ لشعبنا الأردني الواحد، في إطار من الديموقراطية الحقة.

 

صاحب الجلالة،،،

نؤكد لجلالتكم الشُّكرَ والولاء، وندعو الله أن يحفظكم راعياً أميناً لشعبكم الوفي ونصيراً دائماً لأمتنا العربية والإسلامية.

عاش الوطن. عاش الملك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

© 2016 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة